الجاحظ
280
رسائل الجاحظ
عنه ، وقدرته على جميع ذلك كقدرته على واحد . ومجاز الآية في اللغة واضح ، وتأويلها بين ؟ وذلك أن الرجل منهم كان يقرض صاحبه لإرفاقه ، ليعود إليه مع أصل ماله اليسير من ربحه ، ثم هو مخاطر به إلى أن يعود في ملكه . فقال لهم - بحسن عادته ومنته : آسوا فقراءكم ، وأعطوا في الحق أقرباءكم ، من المال الذي أعطيتكم ، والنعمة التي خولتكم ، بأمري إياكم وضماني لكم ، فأعتده منكم قرضا وإن كنت أولى به منكم ، فأنا موفيكم حقوقكم إلى ما لا ترتقي إليه همة ولا تبلغه أمنية . على أنكم قد أمنتم من الخطار ، وسلمتم من التغرير . والرجل يقول لعبده : أسلفني درهما ، عند الحاجة تعرض له ، وهو يعلم أن عبده وماله له . وإنما هذا كلام وفعال يدل على حسن الملكة ، والتفضل على العبد والأمة ، وإخبار منه لعبده أنه سيعيد عليه ما كانت سخت به نفسه . وهذا ليس بغلط في الكلام ولا بضيق فيه ولكن المتعنت يتعلق بكل سبب ، ويتشبث بكل ما وجد . وأما إخباره عن اليهود أنها قالت : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ، فلم يذهب إلى أن اليهود ترى أنّ ساعده مشدودة إلى عنقه بغل . وكيف يذهب إلى هذا ذاهب ، ويدين به دائن ؟ ! لأنه لا بد أن يكون يذهب إلى أنه غل نفسه أو غله غيره ، وأيهما كان ، فإنه منفى عن وهم كل بالغ يحتمل التكليف ، وعاقل يحتمل التثقيف ، ولكن اليهود قوم جبرية ، والجبرية تبخل اللّه مرة ، وتظلمه مرة ، وإن لم تقر بلسانها وتشهد على إقرارها ، بقولهم : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعنون بره وإحسانه . وقولهم : مغلولة ، لا [ يعني ] أن غيره حبسه ومنعه ، ولكن إذا كان عندهم أنه الذي منع أياديه ، وحبس نعمه ، فهي محبوسة بحبسه ، وممنوعة بمنعه . والذي يدل على أنهم أرادوا باليدين النعمة والإفضال ، دون الساعد